|
الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر
قال في مقال نشرته مجلة التمدن الإسلامي بعنوان ( نظرة
في أحاديث المهدي ): ويلحق بالأحكام العملية في صحة
الاحتجاج بخبر الآحاد أشياء يخبر بها الشارع ليعلمها الناس
من غير أن يتوقف صحة ايمانهم على معرفتها ومن هذا القبيل
حديث المهدي . فإذا ورد حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه
وآله بأنه سيقع في آخر الزمان كذا ، حصل به العلم ، ووجب
الوقوف عليه من غير حاجة إلى أن يكثر رواة هذه الحديث حتى
يبلغ حد التواتر .
ولم يرد في الجامع الصحيح للإمام البخاري حديث في شأن
المهدي ، وإنما ورد في صحيح مسلم حديث لم يصرح فيه باسمه ،
وحمله بعضهم على أن المراد منه المهدي ، أو المشار فيها
إلى بعض صفاته . أما بقية كتب الحديث فرواها الإمام أحمد
بن حنبل ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة ، والطبراني ،
وأبو نعيم ، وابن أبي شيبة ، وأبو يعلى ، والدار قطني ،
والبيهقي ، ونعيم بن حماد ، وغيرهم . وجمعت هذه الأحاديث
في رسائل مستقلة ، مثل ( العرف الوردي في حقيقة المهدي)
للملا علي القاري ، و(التوضيح في تواتر ماجاء في المنتظر
والدجال والمسيح) للشوكاني .... وقد صرح الشوكاني في
رسالته المشار إليها آنفا بأن هذه الأحاديث بلغت مبلغ
التواتر ، قال: ( والأحاديث التي أمكن الوقوف عليها ، منها
خمسون فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر ، وهي متواترة
بلا شك . بل يصدق وصف التواتر على ما دونها ، على جميع
الاصطلاحات المحررة في الأصول) .
يقول بعض المنكرين لأحاديث المهدي جملة: إن هذه
الأحاديث من وضع الشيعة لامحالة . ويرد بأن هذه الأحاديث
مروية بأسانيدها ، وقد تقصينا رجال سندها فوجدناهم ممن
عرفوا بالعدالة والضبط ، ولم يتهمهم أحد من رجال التعديل
والجرح بتشيع ، مع شهرة نقدهم للرجال. وقد اتخذ مسألة
المهدي كثير من القائمين لانشاء دول وسيلة إلى الوصول إلى
غاياتهم ، فادعوا المهدوية ليتهافت الناس على الإلتفاف
حولهم . فالدولة الفاطمية قامت على هذه الدعوة ، إذ زعم
مؤسسها عبيد الله أنه المهدي .
ودولة الموحدين جرت على هذه الدعوة ، فإن مؤسسها محمد
بن تومرت أقام أمره على هذه الدعوة .
وظهر في أيام الدولة المرينية بفاس رجل يدعى التوزدي
واجتمع حوله رؤساء صنهاجة ، وقتل المصامتة .
وقام رجل اسمه العباس سنة 690 هـ . في نواحي الريف من
المغرب وزعم أنه المهدي ، واتبعته جماعة ، وآل أمره إلى
أنه قتل وانقطعت دعوته .
وبعد ثورة عرابي بمصر ظهر رجل في السودان يسمى محمد
أحمد ، ادعى أنه المهدي واتبعه قبيلة بقارة من جهينة على
أنه المهدي سنة 1300 هـ . وهو الذي خلفه بعد موته التعايشي
أحد زعماء البقارة .
وإذا أساء الناس فهم حديث نبوي ، أو لم يحسنوا تطبيقه
على وجهه الصحيح حتى وقعت جراء ذلك مفاسد ، فلاينبغي أن
يكون ذلك داعياً للشك في صحة الحديث أو المبادرة إلى
إنكاره ، فإن النبوة حقيقة واقعة بلا شبهة ، وقد ادعاها
أناس كذباً وافتراء وأضلوا بدعواهم كثيراً من الناس ، مثل
ما يفعله طائفة القاديانية اليوم .
والألوهية ثابتة بأوضح من الشمس في كبد السماء ، وقد
ادعاها قوم لزعمائهم على معنى أنه جل شأنه يحل فيهم ،
مثلها يفعل طائفة البهائية في هذا العهد . فليس من الصواب
إنكار الحق من أجل ما ألصق به من باطل) . (المصدر:2/210 -
214) . |